وفي ذلكَ الوقت صعدَ إلى أريكةِ الفقهاءِ رجلٌ ضخم يرتدي الجبّة والقفطان. وتبينتُ فيه الشيخ عبد الحميد واعظ المركز، وكان الرجُل -والحقُ يُقال- نشيطًا في أداءِ وظيفته حتى لهجت الألسنُ بذكرِه. كان لا يتركُ مأتمًا في قرية إلا ويذهبُ إليه ويعزّي فيه، ليس هذا فقط، بل إنه ما يكادُ يجلسُ قليلاً وتخلو دكة الفقهاء حتى يمضي إليها في بطء وقور، ويرتّل بصوتٍ هادئ: (بسم الله الرحمن الرحيم) ويعمُ الصمتُ المكان وتشرئبُ الأعناقُ تتابعُ درسَ الشيخ وهو يرويه بصوتٍ حُلو، ينغّمه ويطيلُ في نبراته الحلقية، ويضمُ الصاد، وتخرجُ الراءُ لها زغرودة، وتحسُ أنه لا بُد قد تعشّى بخروفٍ دسم قبل أن يُلقي الدرس، وأن كلماته تخرجُ مطمئنة شبعانة لا تشكو قلقًا ولا تعبًا، وأن لا أولادَ له ولا زوجة أو مشاكل وأنه -بالتأكيد- له الجنّة.

 

ولم تكُن الراكبة الجديدة إنسانة، كانت كتلةَ قلقٍ حية جعلتنا نحسُ أن روحًا جديدة حلّت بيننا وفينا، عيناها تنظران إلينا ولا تتفحصانا، وأيديها على رُكبها، وأيديها على الحافة، وأيديها تضرعُ لإلهٍ غير منظور ورأسُها يدورُ ولا يستقر، وينثني فجأة إلى الشاطيء، ثمّ يرتدُ ويعودُ ويدور.

قاعُ المدينة- يوسف إدريس. مجموعة قصصيّة أحببتها، كل حروفِها حية ومصرية ومُمتعة. هُنا.

Have a say :

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: