الإلهُ المُحتجبُ خلف أستارِ العزةِ، يفعلُ ما يريدُ بمن يريد!

تبددت من عِندي ألفةُ كل الأماكن.

أفقتُ من دوران الأسئلةِ برأسي، على أمرٍ عجيبٍ آخر فعله الحمار. كنا قد قطعنا قرابةَ نصف الطريق، وكانَ الأوانُ ظهرًا، فوجدته يتجه إلى الشُجيرات التي وقفنا تحتها ساعة الظهيرة، قبلَ يومين، ونحنُ ذاهبان إلى أنطاكية. تحت الشجيرات تسمَّرت ساقُ الحمار، وراح يهزُ أذنيه وكأنه ينبهني إلى موعدِ غدائه. الحِمارُ لا يمكنُ بحالٍ أن يكونَ غبيًا، هو صبورٌ بطبعه. وقد يبدو الصبرُ غباء أحيانًا، وجُبنًا أحيانًا. يبدو أنني قضيتُ عمري حِمارًا!

هُم هنا على أيةِ حالٍ لا يكترثونَ كثيرًا بالأصول، ولا يهتمّون إلا بالحاضرِ الماثلِ أمامَ أعينهم. ولعلّهم في ذلكَ معذرورن! أو هُم بذلكَ محظوظون..

واليوم، لماذا أخافُ الموت؟ خليقٌ بي أن أخافَ من الحياةِ أكثر، فهي الأكثرُ إيلامًا!

تعجّبتُ من البساطةِ التي قصَّ بها الفتى حكايته، من دونِ أي أسفٍ أو خجَل؛ كأنه يقصُ واقعةً عادية، من شأنها أن تحدثَ لأيّ شخص. كان ذلك هو الدرس الأول الذي تعلمّته في هذا الدير، وأفادني على نحوٍ خفيّ. لا ينبغي أن نخجَل من أمرٍ فُرضَ علينا، مهما كان، مادُمنا لم نقترفه. ساعدني ذلكَ، كثيرًا، على نسيانِ ما فعلته بي أمي زمنَ طفولتي، وعلى تناسي ما فعلتـُه، وما لم أفعله، بسبب خوفي وقلةِ استطاعتي.

-لقد قالوا لي أنكِ ذهبتِ معه، فظننتُ..

-لا تظنَ بي السوءَ يا هيبا.

-هاه.. لقد صرتِ تنادينني باسمي!

-عفوًا، لكنني مُرتبكةٌ.. وسعيدةٌ؛ لأنك ظلمتني بظنونكَ الثائرة.

-سعيدةٌ يا مرتا!

-نعم؛ لأن ظنونك الثائرة أكدت لي أنك تُحبني، مثلما أحبُك.

كنتُ أضحَك، وكنتُ أسعد بفرحةِ الأمهاتِ اللواتي يأتينَ بأطفالهن الصارخين ألمًا وتوجعًا، ثمّ يخرجن من عندي وقد هدأ أطفالهن وناموا على أكتافهنّ. لا يوجدُ في العالمِ أسمى من دفعِ الآلام، عن إنسانٍ لا يستطيعُ التعبيرَ عن ألمِه.

هذا العالمُ بكلِّ ما فيه، لا يستحقُ قلقَ المؤمنين.

للمحبةِ في النفسِ أحوالٌ شدادٌ، وأهوالٌ لا قبلَ لي بها، ولا صبرَ لي عليها ولا احتمال! وكيفَ لإنسانٍ أن يحتمل تقلُبَ القلب ما بينَ أوديةِ الجحيمِ اللاهبة وروض الجنّات العطرة.. أيُ قلبٍ ذاك الذي لن يذوب، إذا توالت عليه نسماتُ الوله الفوَّاحة، ثم رياح الشوقِ اللافحة، ثمَ أريجِ الأزهار، ثم فيح النار، ثم أرق الليل وقلق النهار. ماذا أفعلُ بعدما هبَ إعصارُها، فعصفَ بي من حيثُ لم أتوقّع؟ هل أنا فرحٌ بحب مرتا أم أنني أخشاه؟.. سيقولونَ إنني غررتُ بها، وسيقولون بل هي غررت به! لن أنجو من هذا الحبِ الذي قدَحت مرتا زناده بكلمةٍ واحدة، فصارَ عشقًا.. وأنا لا خبرةَ لي بارتيادِ بلادِ العشق.

عزازيل- يوسُف زيدان. رواية تُنهيها فتشعُر القُبول والفـَهم، وإخاءً بكر. قابلتُ هنا أنطاكيّة، الإسكندرية، الشارع الكانوبي الكبير، التاجر الدمشقيّ، حلب، دمشق، نجع حمّادي، أورشليم، كيرلُس، ثيوفيلوس، السرابيون، هيباتيا، خريستوكوس، ثيوتوكوس، جالينوس، أبقراط، سرمدة، إسنا، وقائمة طويلة طويلة .

اقرأوه ربمّا يصيبُ منكم رضا أكثر مما نلتُ أنا معه. أعودُ وأحكي عن تجرُبتي باستفاضة، لاحقًا. 

ذاتَ صلة

الأوسمة:

2 تعليقان to “”

  1. جِهاد مُصطفى Says:

    بِعكسِ ما توقعتُ أن أشعرُ به قبلَ قراءتِها، أحببتها للغاية ولم أنتقصها نجمة!
    دوّنتُ مِنها الكثيـــر، وسأدوّن أكثرَ إذا ما عاودتُ قراءتها xD

Have a say :

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: