عامي الغرُّ الهاديء

-ليومٍ رحلَ قريبًا سمّاه التاريخ خامسَ سبتمبر-

لم يسبق لي أن ابتسمتُ كلما ذكرتُ شخصًا ما، حتّى عندما أتذكرُ جدالاً بيننا أو خلاف، فهذه بالنسبةِ لي سابقةٌ لنفسها ولي. سألته ذاتَ مرةٍ سؤالاً فدارَ بي المطافُ لنهايته لتفكيري، كيف كنتُ أنا قبل تمام ذاك العام؟

لا أحد يفهمُ وجهَ المسافرِ الوحيدِ في القطارِ عند الباب، طريدٌ لا يجلسُ في مقصورة، وكأنه يخافُ الانتماءَ حتى إلى قطار، عندما يستندُ إلى الزجاجِ ويحدّقُ في صورٍ تتسابقُ بسرعةٍ أمامه، وهو في مكانه جامدٌ صامتٌ صمدَ للنهايةِ حتى ملَّ الصمودَ وقرر السفرَ والبحثَ دونَ سعيٍ خلفَ أي إيجاد. كان ذلك مُسافرًا ما داخلي سميّته نفسي، يذكرُني بوجهِ من استيقظَ توًا أو ربما يقاومُ نومًا فحدّقَ لا إراديًا ببقعةٍ التهى بها وتركَ ما يحدُثُ حوله يكون.

ذاك المسافرُ كان عطرًا متكورًا مركزًا دونَ ماءٍ أو كحول، يحرقُ ويخنقُ ما إن يُلمَس وما إذا اقتربتَ منه، عاشَ بمدينةٍ صغيرةٍ منعزلة فصار أصغرُ أخبارها حدثًا في عينيه، انقطع سببُه وزالَ سرُه ولم يعُد لديه حياء، يصفه الناسُ أولَ ما يصفون أنه تاركُ راحل، ابتسامته بلا معنى وبهما من البُهتانِ في حقه شخصيًا ما لا يراه، تركَ النسخَ وصارَ رقعةً مشبوكةً تريدُ أن تنتهي سريعًا وتفضّلُ ألا يفهمها أحدٌ عندَ قراءة.

كانت عيناهُ دومًا شتاءً أغرقها الحُزنُ والجليدُ وصار سيدُها صقيعٌ لا خلاصَ منه. كلُ أسئلتِه: ماذا حدثَ لحلمِه؟

كان يعلمُ أنه ماتَ منذُ اللحظةِ التي أفاقَ بها ليُدركَ أنه لم يعد يشتهي أيَّ شيء، ومع ذلكَ ظل مُسافرًا يتعجبُ منه الناس ويتهمونه بالغرابة. كان رجُلاً يرونه شيخًا يليقُ بمصحةٍ لأنه يطلبُ أمَه ليلاً ولا يخجلُ من أيِ شيء.

أنا لا أفتقدُ هذا المسافرِ على أيِّ وجهٍ من الوجوه، ولا أفتقدُ من كانوا يزرعونه داخلي، وأسعدُ كلما تذكرتُ أنني تذكرتُ هذه الأيام بصعوبةٍ بعد تفكير وأنها ليس لها من آثارٍ على ثوبي.

شكرًا لك، على نفسي الجديدة، على التوفيقِ بيني وبينها، وعلى الصلح الذي تمَّ والسلام الذي حلَّ أخيرًا بيننا. أهديكَ عامي هذا الذي سحبتَه من عمري الذي أرجوه قصيرًا دافئًا لا صقيعَ به، شكرًا لرفقك به وتأنّيكَ ولُطفك، شكرًا لأنني لم أشعر بألمِ الدواء، شكرًا لأنك لم تملَّ أن تُربّتَ على ثلاثمائةٍ وخمسٍ وستينَ يومًا، يومًا بيوم. هم لك جميعهم مع قادمِهم.

ممتنةٌ مبتسمةٌ وسعيدة.

جمعةُ السابعِ من سبتمبر.

-ذكرى طيّبة: كتبتُ “سقيع” مرتين. شكرًا لتصحيحه إياها، -أيضًا – -.

الأوسمة:

2 تعليقان to “عامي الغرُّ الهاديء”

  1. جِهاد مُصطفى Says:

    حبيت “غرّ” دي “^^ !

    >> مش هعمل لايك عشان حبيتها أكتر من لايك،
    ولسبب تاني يمكن يومًا ما أقولّك عليه =)

Have a say :

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: