وكأنهم لم يكونوا هُنا يومًا

يكادُ كلُ شيءٍ أن يصبحَ متزنًا، أكادُ أستقر، وأكادُ أثبُتُ وأنسجم.

أكادُ أخرجُ لعالمٍ لا أعلمُ عنه خبرًا ولا أتخيلُ له مظهرًا سوى المنظر أسفل الشُرفة، ووجه أمي. أكادُ أفهمُ عمّا يتحدث البيانو، وأفصلُ عشقي للكمانِ عني قليلاً لأرى غيره، أكادُ أقفُ دونَ خجلٍ بين العيون، أكادُ أرفعُ صوتي في الحديث -ربّما-، أكادُ أعتادُ الوجوهَ التي لا أعرفها، أكادُ ألا أرتبك، أكادُ أن أنفذَ ما أريد، وأكاد، أثناء استرسالي في الكتابةِ الآن، أن أتخيلني أندمُ إن هذا كلُه تحقق، ولمفارقةِ ما كنتُ عليه.

أظنني أكبُرُ قليلاً قليلاً.

سيأتي يومٌ تنتهي به هذه العمليةُ ولا أريدُ أن أعرفَ عنه شيئًا الآن -ربما، مُجددًا-. لا أعلمُ ماذا أفعل، وأحتارُ بين قولين؛ “كيف بحقِ الله تخططين لحياة؟”، و”يجبُ أن تعلمي مُسبقًا ماذا أنتِ فاعلة”، ما زلتُ ألتقي بحضنِ أمي على الأريكةِ أمامَ الأفلامِ والصُحبة، ما زلتُ أصدِقُ بعضَ الحكايات، ما زلتُ أختطفُ الطعامَ وأركضُ كي لا تراني أمي وما زلتُ أقولُ لها وقتَ الغداءِ لستُ جائعةً عندًا فقط.

بيدٍ أخرى لستُ كعهدي الذي سبق، ليسَ لديّ الصبر نفسه ولا التفاني، تلاشى الكثيرُ من قدرتي على التسامحِ وهو أمرٌ أحاولُ أن أغالبه، فقدتُ كثيرًا من خلوِ البالِ وكثيرًا من التحمل، كثيرٌ من القدراتِ دفنتُها ونسيتُ حتى أنها كانت.

ولكنني بعد، ما زلتُ أشتري أقلامًا وكتبًا كثيرة؛ لمجردِ الحصولِ عليها، عدتُ لحبِ المرآةِ عندما رأيتُني أنشغلُ عن النظرِ بها، قطعتُ من تحمّلتُ طويلاً فكانوا على غيرِ استحقاق، أصبحتُ أرفضُ قاصمةً الفرصَ نحو إثقالي على حسابِ نفسي لأجلِ من هم أيضًا على غير استحقاق، عاينتُ أن يجرفني التيارُ وكنتُ أقوى من أن أدعَه، وضعتُ قوانيني، أصبحتُ أكثرَ اهتمامًا بقضايا العالم، أخوضُ في الكتبِ بشغفٍ أكبر، أنبهرُ بأصحابِ الانجازاتِ من كبارِ السن، وأحثّهم دائمًا على الحكايا، أصبحتُ أحبُ القهوة -هذا مُضحكٌ بالنسبةِ لي! : )- تحررتُ من عقدِ الطموحِ بمثالية، وصرتُ ألقي منّي الفعلَ ولا ألقي بالاً بنتيجة.

انسجمتُ أكثرَ مع الكون، مع السماء.

هذه الكتابةُ مسائية، أوحت لي بها جدتي التي حملت اسمَ نعيمة -رحمها الله-، بصورةٍ أحبها تركتْها خلفَها، أوحت لي بالانتباهِ إلى كلِ الاختلافاتِ بملاحظةِ الاختلافِ بعدَ رحيلها؛ فرأيتُ وجوهًا عديدةً وودعتها، وتركتُ مواضعًا أخرى لأخرى، وشعرتُ حينَ رؤياي بأنهم حقًا ما عادوا هنا؛ بأن فكرةَ وجودهم على نفسِ الأرض، يعرفونَ نفسَ الشمسِ ويستخدمون نفسَ المفاهيم فيلفظونَ نفسَ المعاني- لم تعُد تشغلني، بقى منهم فقط مَن هم في بُعدٍ آخر لا نعلم عنه للآن شيئًا، كجدتي.

لن يؤخرني شيءٌ ولا أحد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

: )

mov00039_2

Have a say :

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: