يحدثُ أن تقولَ جملةً لأحدِ الناسِ بغايةِ أن تبدأ معه حوار، فإذا به يقاطعك وتبتُرُ الحوارَ وتنسى لأنكما بعدَ دقائقَ تضحكان على شيءٍ آخر. يحدثُ أن تضعَ الطعامَ ليغلي على النارِ فيهاتفك أحدهم -وما أكثرَ حبُهم لمهاتفتِكَ بهذه الأوقات- فيفرغُ ماءُ الإناء ويحترقُ الطعام، وتكتشفه أنتَ بعدما يكادُ الإناء نفسه يذبل ويحترق.

يحدُثُ أن تمنّي نفسكَ بفيلمٍ ما وعندما يحينُ وقتُ العرضِ تشاهدُ ولادتَه ثمَ تُعرِض لأسبابٍ ما. أن تشتري الملابسَ ولا ترتديها، أن تشتريها وترتديها عامًا دونَ سواها وتكرهها، أن تشتريها وترتديها يومًا وتكرهها، أو يومًا وتحبُها وتفقدها -هذا هو القانون-، ألا تشتريها ولكن تراها مُصادفةً مرة في غيرِ ما يسمحُ الحالُ بشراء، ثم تأتي تتفقدُها عندما يسمح فتكونُ قد أخذِت وانتهى الأمرُ هنا، وماذا لو كنتَ قد رأيتها ولكن الحالُ لم يسمح يومًا أبدًا بالشراء؟!

لم تصلْك الفكرة بعد.

أتحدثُ عن العبثية. عبثيتُك أنت، وعبثيةُ ما كُتبَ لك أن تعيشَه بالمقابل. تخيل لو كنتَ أنت الجملة المبتورة، أو الطعام الذي احترق، أو الفيلم الذي أهمِل، أو الملابس التي اشتَرت وكُرهَت، أو التي لم تُكرَه وفُقدت أو التي لم تُشترَ من الأساس، وقياسًا على المزيدِ من الجماداتِ التي لا تصرخُ كي تذكرك، أذكرك أنا: أنت كلُ هؤلاء في مواضعَ شتّى وشتّى من حياتِكَ وأنتَ من يعبثُ بكلِ هؤلاءِ وبك.

دعنا من كلمتِك، ستخبرني أن اللهَ لم يخلقْ الكونَ بعبثية، وأن كلَ شيءٍ مُرتب ومُعَد بقدَر، وأن عمرك مرسومٌ -لا على الكف ولكنه مرسومٌ على أيِّ حال- من المهدِ لموتِك. أقلتُ العكس؟ أنا على يقينٍ أكبر من يقينكَ بكلِ هذا.

أقولُ هُنا أن هذه العبثية التي أحدثكَ عنها مكتوبةٌ ومرسومةٌ ومُعدةٌ أيضًا.

قلتُ دعنا، فعلت؟

أتساءلُ أحيانًا لمَ أنا والحمدُ للهِ سعيدة؟ ألأنَ سعادتي تلك بلهاء؟ سعادةُ الحمقاواتِ اللاتي لا يعرفنَ ولا يقدّرنَ تقديرًا صحيحًا ولا يستطعنَ أمامَ الضرباتِ إلا التغاضي والمُضيّ؟ أم لأنني أغلقُ عليَّ البابَ فليسَ هناك الكثيرُ يُسيءُ إليّ؟ أم لأنني أتعاملُ كما أحبُ أن أعامَلَ فيكونُ كلُ التعاملِ معي هادئًا خاليًا من الأحداث؟ أم لأنني أنانيةٌ في غيرِ مادة؟ لأنني أنانيةٌ في سخائي عليكَ من عاطفتي الحقّةِ أحفظُها وأصونها؟ نضحكُ ونثرثرُ نعم لكنني لم أثقْ بكَ بعد؟ هذه هي؟

وما الغرضُ من الحفظِ والصيانةِ إن كنتُ سأموتُ وآخذُ عاطفتي هذه معي؟

أم أنني سعيدةٌ لأن كلَ شيءٍ يبدو مُستقرًا هادئًا فقط؟ دونَ عبثية؟

ماذا لو تغيرَ الحال؟ أأكونُ سعيدة حينها؟ تغيرُ الحالِ واردٌ جدًا، بل أنَ ثباته غير طبيعيّ. ماذا إذًا يكونُ عندما ينقلبُ ما أراهُ في مكانِه الصحيح؟ ماذا لو لم يكُن أصلاً بمكانِه الصحيح؟

وهل هذه سعادة أم فقط هدوءٌ واثقٌ من إصابتي بالرضا؟ وماذا عن غيري؟ لمَ لا يبدون سعداءَ مثلي؟ ألأنهم في غيرِ ثبات؟ ألأنهم في انتظار؟ ألأنهم هم ولأنني نفسي؟

على أيِّ حالٍ كنتُ أقولُ أننا أمواتُ يومًا ما، نرحلُ دونَ متاع. ليسَ لتفكيري المُلحُ -والذي يكسرُ الهدوءَ والسعادة- أيُ فائدة.

Have a say :

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: